غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
156
تاريخ مختصر الدول
ثم إنهما دخلا على المقتدر وقد جلس لهما واصطفّت الأجناد بالسلاح والزينة التامة وأدّيا الرسالة . فأجابهما المقتدر إلى ما طلب ملك الروم من الفداء وسيّر مؤنسا الخادم ليحضر الفداء وأنفذ معه مائة ألف وعشرين ألف دينار لفداء أسارى المسلمين . وفيها أطلق أبو الهيجاء بن حمدان وإخوته وأهل بيته من الحبس . وفي سنة تسع وثلاثمائة قتل الحسين الحلاج بن منصور . وكان ابتداء حاله انه كان يظهر الزهد ويظهر الكرامات وقيل إنه حرّك يوما يده فانتثر على قوم دراهم . فقال بعض من تفهّم أمره ممن حضر : أرى دراهم معروفة ولكني أو من بك وخلق معي ان أعطيتني درهما عليه اسمك واسم أبيك . فقال : وكيف وهذا لا يصنع . فقال له : من حضر ما ليس بحاضر صنع ما ليس بمصنوع . وكان قدم من خراسان إلى العراق وسار إلى مكة فأقام بها سنة في الحجر لا يستظلّ تحت سقف شتاء ولا صيفا ورئي في جبل أبي قبيس على صخرة حافيا مكشوف الرأس والعرق يجري منه إلى الأرض . وعاد الحلاج إلى بغداد فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول والربوبيّة . ثم نقل عنه إلى الوزير حامد انه أحيا جماعة من الموتى . فلما سأله الوزير عن ذلك أنكره وقال : أعوذ باللَّه ان ادّعي النبوة أو [ 1 ] الربوبية وانما انا رجل أعبد الله . فلم يتمكن الوزير من قتله حتى رأى له كتابا فيه : ان الإنسان إذا أراد الحجّ ولم يمكنه أفرد من داره بيتا طاهرا فإذا حضرت أيام الحجّ طاف حوله وفعل ما يفعل الحجاج بمكة ثم يطعم ثلاثين يتيما ويكسوهم ويعطي كلّ واحد منهم سبعة دراهم . فأحضر الوزير القضاة ووجوه الفقهاء واستفتاهم . فكتبوا بإباحة دمه فسلمه الوزير إلى صاحب الشرطة فضربه ألف سوط فما تأوّه لها ثم قطع يده ثم رجله ثم رجله الأخرى ثم يده ثم قتل وأحرق وألقي رماده في دجلة ونصب [ 2 ] الرأس ببغداد . واختلف في بلدة الحلاج ومنشأه فقيل من خراسان وقيل من نيسابور وقيل من مرو وقيل من الطالقان وقيل من الريّ . وقيل كان رجلا محتالا مشعبذا يتعاطى مذاهب الصوفيّة ويدّعي ان الإلهية قد حلَّت فيه وانه هو هو . وقيل له وهو مصلوب : قل لا إله إلَّا الله . فقال : ان بيتا أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج . وامتحنه أبو الحسين عليّ ابن عيسى وناظره فوجده صفرا من العلوم فقال له : تعلَّمك طهورك وفروضك أجدى عليك من رسائل لا تدري ما تقول فيها . لم تكتب إلى الناس بقولك : تبارك ذو النور الشعشعاني الذي يلمع بعد شعشعته . ما أحوجك إلى الأدب . وقال أبو الحسن بن الجندي انه رأى الحلاج وشاهد
--> [ 1 ] - أو ر مع . [ 2 ] - ونصب ر وصلب .